من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)
مقدمة المؤلف
﷽
والحمد للَّه رب العالمين
الحَمْدُ للَّهِ الفَرْدِ الأحَدِ الوِتْرِ الصَّمَدِ المُبَرَّأَ مِنَ الثَّنِيَةِ وَالعَدَدِ، المُنَزَّهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالوَلَدِ، المُبَجَّلِ عَنِ الكُفْوِ وَالعَضُدِ، المُمَجَّدِ عَلَى الدَّوَامِ وَالأبَدِ، المُسَبَّحِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، المُقَدَّسِ الأَسْمَاءِ وَالصفَاتِ، المَعْبُودِ في كُلِّ الأوْقَاتِ بِجَمِيعِ
العِبَادَاتِ، المَقْصُوْدِ مِنْ كُلِّ الجِّهَاتِ بِأنْوَاعِ الإِشَارَاتِ وَصُنُوفِ العِبَارَاتِ، الَّذِي أقَرَّتْ شَاهِدَةً بِثُبُوْتِ رُبُوبِيَّتِهِ الضَّمَائِرُ وَالأَفْوَاهُ، وَخَرَّتْ سَاجِدَةً لِجَلَالِ هَيْبَتِهِ الأَذْقَانُ وَالجِبَاهُ، وَقَرَّتْ مُشَاهِدَةً لِهَوْلِ قُدْرَتِهِ العُيُوْنُ بِمَا تَرَاهُ، وَاسْتَقَرَّتْ جَاهِدَةً في الدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَأنْ لَا إلَهَ سِوَاهُ دَقَائِقُ لَطَائِفِ حِكْمَتِهِ، وَبَدَائِعُ طَرَائِفِ صنْعَتِهِ فِيْمَا خَلَقَهُ وَسَوَّاهُ، وَذَرَاهُ وَبَرَاهُ، وَأَعَادَهُ ثُمَّ أبْدَاهُ، فَتَبَارَكَ الَّذِي هُوَ في كُلِّ شَيْءٍ مَوْجُوْدٌ وَبِكُلِّ مَعْنًى إلَهٌ.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
أَحْمَدُهُ وَالحَمْدُ غَايَةُ مَنْ شَكَرَ، وَأَذْكُرُهُ ذِكْرًا كَثِيرًا كَمَا أمَرَ، وَأسْتَغْفِرُهُ وَهُوَ أوْلَى مَنْ غَفَرَ، وَأُؤمِنُ بِهِ إرْغَامًا لِمَنْ جَحَدَ وَكَفَرَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ فَلَا شَرِيْكَ لَهُ، شَهَادَةً مُوَطَّدًا بِالإِيْمَانِ أرْكَانُهَا، مُشَيَّدًا بِالإِيْقَانِ
بُنْيَانُهَا، مُهذَبًا مَذْهَبُهَا، صَافِيًا مَشْرَبُهَا، مُوَافِقَةً لِلإِخْلَاصِ مُطَهَّرَةً مِنَ النِّفَاقِ، مُدَّخَرَةً لِيَوْمِ التَّلَاقِ.
وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَبِيُّهُ وَأمِيْنُهُ، وَوَلِيُّهُ وَنَجِيّهُ، وَحَبيْبُهُ وَصَفِيُّهُ، المُؤَيَّد بِاللَّسَنِ وَالبَرَاعَةِ، المُدَّخَرُ فِي المَعَادِ لِشَرَفِ الشَّفَاعَةِ، أرْسَلَهُ وَشَقَاشِقُ الفُجُوْرِ هَادِرَةٌ، وَصَوَاعِقُ الشُّرُوْرِ هَامِرَةٌ، وَحَنَادِسُ الضَّلَالِ دَاجِرَةٌ، وَدَوَائَرُ الشَّقاءِ دائَرَةٌ، وَبِحَارُ الإِفْكِ زَاخِرَةٌ، وَأعْوَانُ الشِّرْكِ مُتَظَاهِرَةٌ، حِيْنَ اشْمَخَرَّ مِنَ الكُفْرِ طُغْيَانُهُ، وَاسْتَمَرَّ عُدْوَانُهُ، وَأَجْلَبَ شَيْطَانُهُ، وَالتَهَبَتْ فِي الخَافِقَيْنِ نِيْرَانُهُ، وَسَتَرَ شَمْسَ اليَقِيْنِ دُخَانُهُ، وَعُبدَتْ مِنْ دُوْنِ الحَقَ المُبِيْنِ أوْثَانُهُ، فَاقْتَحَمَ ﷺ نَيْرَانَهُ، وَدَحَرَ شَيْطَانَهُ وَأخْرَسَ شَقَاشِقَهُ، وَأخْنَسَ مُنَافِقَهُ، وَلَمْ يَزَلْ يُطْفِئُ بِالإِيْمَانِ ضرَامَهُ، وَيُبْرِيءُ بِالقُرْآنِ سَقَامَهُ وَيَجْلُو بِالإِيمانِ قَتَامَهُ وَيَعْلُو بِحَوْلِ ذِي الجَّلَالِ وَالإكْرَامِ أصْنَامَهُ، مُشَمِّرًا فِي ذَاتِ اللَّهِ بِالقَوْلِ وَالفَعَالِ، مُدِيلًا بِسَيْفِهِ لِلحَقِّ المُذَالِ، سَاطِعًا فِي البِلَادِ نُوْرُهُ، قَاطِعًا لِلْعِنَادِ ظُهُوْرُهُ، مُبَشِّرَةً بِالفَلَاحِ أسَارِيْرُهُ،
مُيَسَّرَةً بِهِ مِنْ فَلَقِ الصِّدْقِ تَبَاشِيْرُهُ حَتَّى أخْمَدَ لَهَبَ البُهْتَانِ المُضْطَرِمِ، وَشَفَى الأَسْمَاعَ مِنَ الصَّمَمِ، وَنَفَى بِأنْوَارِهِ حَنَادِسَ الظُّلَمِ، وَوَفَى بِالعُهُوْدِ وَالذِّمَمِ، فَرَفَلَ الَّدِيْنُ فِي أذْيَالِهِ، وَتَسَرْبَلَ اليَقِيْنُ أجْمَلَ سِرْبَالِهِ، وَاعْتَدَلَ فِي جَمِيع أحْوَالِهِ، وَأقْبَلَ، عِنْدَ نَظمِهِ وَنَثْرِهِ.
لقُسّ عُكَاظٍ أَوْ لَقِيْطِ بْن مَعْبَدٍوَعُذْرَةَ وَالمِنْطِيْقِ زَيْدِ بن جُنْدُبِ
وَأذْرَبُ مِنْ حَدِّ السِّنَانِ لِسَانُهُوَأمْضَى مِنَ السَّيْفِ الحُسَامِ المُشَطَّبِ
وَجَمْهُورُ الأدَب مَأخُوْذٌ مِنْ لُغَةِ العَرَبِ، وَمَا تَنَاقَلتهُ مِنَ الأَمْثَالِ وَالنُّخَبِ فِي أشْعَارِهَا وَالخُطَبِ، وَذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ﷿ [اختار من عباده] صيَّرَهَا عَرَبًا عَارِبَةً، وَسَيَّرَهَا في صَحَاصحِ [البادية] وَأسْكَنَهَا حُزُوْنَ الجِّبَالِ وَسُهُولَ الفَلَوَاتِ شَارِقَةً
غَارِبَةً، وَخَصَّهُم بِطيْب الأَعْرَاقِ، وَكَرَمِ الأَخْلَاقِ، وَالعِلَمِ وَالحِلْمِ، وَالعَزْمِ وَالحَزْمِ، وَالدَّهَاءِ وَالنًّجَبَةِ، وَالنَّجْدَةِ وَالسَّخَاءِ، وَالهِمَّةِ وَالذَمَّةِ وَالوَفَاءِ، فَهُمُ الأنْجَادُ الأمْجَادُ، المَطَاعِيْنُ المَطَاعِيْمُ الأجْوَادُ، يَرْعَوْنَ الجَّارَ، وَيَحْمُوْنَ الذِّمَارَ، وَيُدْرِكُوْنَ الثَّارَ ولا يَدَّرِعُوْنَ العَارَ، مُلْكهُمُ لَقَاحٌ، وَنَيْلُهُمُ مُبَاحٌ، وَجِدُّهُمُ صُرَاحٌ، وَحُصُونُهُمُ أسِنَّةٌ وصِفَاحٌ.
هُمْ أصْدَقُ الأنَامِ أنْسَابًا، وَأعْرَقُهُمْ أحْسَابًا. مَا مِنْهُمْ إلَّا مَنْ يُسَمِّي أبَاهُ أبًا فَأَبًا عَلَى مُروْرِ الأيَّامِ، وَكُرُوْرِ الأعْوَامِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ نَسَبُهُ آدَمَ ﵇. وَفَضَائِلُ العَرَبِ أكْثَرُ [من] أَنْ تُحْصَى، وَمَآثِرُهُم لَا تُسْتَقْصَى. فَأمَّا قُرَيْشٌ،
فَهُمْ أفْصَحُ العَرَبِ، وَأصْبَحُهُم وَأنْجَبُهُم [وأنفسهم وأنصحهم] وَأسْجَحُهُمْ، لهَمُ المَدَرُ وَالوَبَرُ، وَالأَسْوَدُ وَالأَحْمَرُ، وَالقُبَّةُ وَالمَفْخَرُ، وَالمَرْوَةُ وَالمَنْحَرُ، وَالصَّفَا وَالمَشْعَرُ، وَالسَّرِيْرُ وَالمِنْبَرُ، وَالحَوْضُ وَالكَوْثَرُ، هُمُ الأَصْلُ وَالهَامُ، وَالذِّرْوَةُ
وَالسَّنَامُ، وَالقَمَاقِمُ الحُكَّامُ، وَالمُلُوْكُ الكِرَامُ. هُمْ الشِّهَابُ اللَّامِعُ، وَالنُّوْرُ السَّاطِعُ، وَالسَّيْفُ القَاطِعُ، وَالخَيْرُ النَّافِعُ. هُمْ الصَّمِيْمُ، وَلَهُمْ التَّقْدِيْمُ وَالتَّعْظِيْمُ، وَفِيْهِم النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ، وَعَليْهِم المَهَابَةُ وَالجَّلَالَةُ، وَإلَيْهِم الرِّئَاسَةُ وَالإِيَالَةُ، وَالشَّهَامَةُ وَالبَسَالَةُ، وَالفُتُوَّةُ وَالإمَامَةُ، وَالنَّخْوَةُ وَالزَّعَامَةُ، وَالقُوَّةُ وَالبَأْسُ، وَالنَّاسُ الذَّنَبُ وَهُمْ الرَّأسُ. تَقْصُرُ بِسِيُوْفِهِم الأعْمَارُ، وَتَطُوْلُ ألْسِنَتُهُم حِيْنَ يُبْتَدرُ الفخَارُ، كَمَا قَالَ المَرَّارُ:
هُمْ العَرَانِيْنُ وَالأّذْنَابُ غَيْرهُمُفَكُلُّ قَوْمٍ لِقَوْمِي تَابِعٌ خَوَلُ
لنَا المَسَاجِدُ نَبْنِيْهَا وَنَعْمُرُهَاوَفِي المنَا [برِ قعدانٌ لنا ذللُ]
لَمَّا تَخَيَّرَ رَبِّي فَاصْطَفَى رَجُلًامِنْ خَلْقِهِ [كان منّا ذلك الرَّجلُ]
ثم الخَلَائِفُ مِنَّا لَسْتَ وِاجِدَهَافي غَيْرِنَا [معشرٍ ماحنّت الإبلُ]
وَلِوَلْدِ إبْرَاهِيْمَ ﵇ شَرَفٌ لَا يُبْلَغُ بُعْدُ غَايَاتِهِ. وَاللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ. وَحَسْبُ العرَب وَقَارًا، وَشَرَفًا وَفِخَارًا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَبِيٌّ، وَأَنَّ القُرْآنَ عَرَبِيٌّ.
وَأَنْ كَلَامَ أهْلِ الجَّنَّةِ عَرَبِيٌّ. وَأوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ بَعْدَ الطُّوْفَانِ العَرَبُ العَارِبَةُ مِنْ بَنِي إرِمِ بن سَامِ بن نُوْحٍ ﵇ حِيْنَ تَبَلبَلَتِ الأَلْسُنُ بِبَابِلَ.
وَقَالَ ابنُ الكَلْبِيِّ: أوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا وَبِالسُّرْيَانِيَّةِ آدَمُ ﵇، وَأوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالعِبْرَانِيَّةِ إبْرَاهِيْمُ ﵇، ثُمَّ فُتِقَ لِسَانُ إسْمَاعِيْلَ ﵇ بِالعَرَبِيَّةِ المُبيْنَةِ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ ﷿ بِهَا القُرآنَ، وَسَفَحَ هَذِهِ اللُّغَةَ العَذْبَةَ عَلَى لِسَانِ بَنِي عَدْنَانَ.
وَالعَرَبُ أشَدُّ --- القريض وَتَسْيِيْرِ المَثَلِ الشَّارِدِ المُسْتَفِيْضِ، وَلَهُمْ فَضِيْلَةُ الَبَيَانِ، وَفَصاحَةُ اللِّسَانِ. وَالحِكَمُ بأطْرَافِ ألسِنَتِهِمْ مَعْقُوْدَةٌ، وَمِرَرُ مَعَالِيْهِم بِقَوَافِيْهِمْ مَشْدُوْدَةٌ:
بِسَاتِيْنُ فِيْهَا ثِمَارُ العُقُولِوَرَيْحَانُ أهْلِ النُّهَى وَالأَدَبْ
إِذَا مَا تَقَضَّى زَمَانُ الرَّبِيْعِفَأنْوَارُهُا نَاضِرَاتٌ قُشبْ
وَقَدْ سَمِعَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْرَ وَأُنْشِدَ فِي مَسْجِدِهِ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ.
لَهُ مُسْعِفَةً، وَالقدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ فيه عَاضِدَةً، وَالطَّبْعُ الَّذِي هُوَ دِعَامَةُ النُّطْقِ بِهِ مُتَدَفِّقًا، وَالأُصُوْلُ مَحْفُوْظَةً، وَالفُضوْلُ مَحْذُوْفَةً، وَالفُصُوْلُ مُنْقَسِمَةً، وَالوُصُوْلُ مُلتحِمَةً، وَمَوَارِدُ الكَلَامِ عَذبَةً، وَمَصادِرُهُ رَحْبَةً رَطْبَةً. وَكُنْتَ بِأوَائِلِهِ مُسْتَغْنِيًا، وَبِآخِرِهِ مْسْتَكْفيًا، كَمَا قَالَ حَبِيْبُ بنِ أَوْسٍ الطَّائِيُّ:
وَسَيَّارَةٍ فِي الأرْضِ لَيْسَ بنَازحٍعَلَى وَخْدِهَا حَزْنٌ سَحِيْقٌ وَلَا سَهْبُ
تَذُرُّ ذرُوْرَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍوَتَمْضِي جُمُوْحًا مَا يُرَادُ لها غَرْبُ
إِذَا أُنْشِدَتْ فِي القَوْمِ مَرَّتْ كَأنَّهَامُسِرَّةُ كِبْرٍ أَوْ تَدَاخَلَهَا عُجْبُ
مُفَصَّلَةٌ باللُّؤْلُؤِ المُنْتَقَى لَهَامِنَ الشِّعْرِ إلَّا أنَّهُ لُؤْلُؤٌ رَطْبُ
وَهَذَا الشِّعْرُ المُشَارُ إِلَيْهِ فَهُوَ ضَالَّتِي الَّتِي أنْشَدْتُهَا وَحِكْمَتِي الَّتِي أَحْفَظُهَا وَأُنْشِدُهَا، لأنَّنِي أَتْبِعُ المَثَلَ المَشْهُوْرَ السَّائِرَ، وَأَطْلُبُ اللَّفْظَ الظَّاهِرَ الجَزَالَةِ، الفَاخِرِ الَّذِي قَدْ هَذَّبَهُ العَقْلُ، وَصَقَلَهُ العِلْمُ وَالفَضلُ، فَجَمَعَ بَيْنَ فَصَاحَةِ العَرَبِ وَمَتَانَةِ الأَدَبِ. قَدْ أُحْكِمَتْ مَبَانِيْهِ، وَتَكَافَأَتْ ألْفَاظُهُ وَمَعَانِيْهِ. إِذَا سُمِعَ طُمِعَ فِيْهِ، وَإذَا طُلِبَ صَعُبَ عَلَى مُبْتَغِيْهِ:
كَأنَّهُ مُزْنَةٌ -تُسِفُّ بِالقَطْرِ ثُمَّ تَرْتَفِعُ
فأمّا --- النَّظْمِ، وَلَا مُلْتَحِمِ السَّبْكِ، ولا مُتَلَائِمِ الأَوْصَافِ، ولا مُتَنَاسِبِ الأَطْرَافِ، ولا مَقْبُوْلِ العبَارَةِ، ولا وَاضِحِ الإِشَارَةِ، كما قال فيه بَعْضُ
الأَعْرَابِ، هو أَبُو الوَليْدُ الرُّبَاعِيُّ:
وَشِعْرٍ كَبَعْرِ الكَبْشِ فَرَّقَ بَيْنَهُلِسَانُ دَعِيٍّ فِي القَرِيْضِ دَخِيْلِ
وَقَالَ الآخَرُ، هُوَ -:
وَبَعْضُ قَرِيْضِ القَوْمِ أوْلَادُ عَلَّةٍيَكُدُّ لِسَانَ النَّاطِقِ المُتَحَفِّظِ
وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصانِ فِيهُمَا ظَاهِرًا سَافِرًا. وَقَدْ يَتَّفِقُ فِي الفَذِّ النَّادِرِ الَّذِي لَا يَقَعُ بِمِثْلِهِ حُكْمٌ التَّبْلِيغٌ فِي صيَاغَةِ النَّثْرِ، بِمَعْنًى انتظَمَهُ الشِّعْرُ، فَيَكُونُ لِمَنْثُوْرِهِ لَوْطَةٌ بِالقَلْبِ، وَتَعَلُّقٌ بِالنَّفْسِ لَيْسَ لِمَنْظُوْمِهِ مِثْلُهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِيْنَ:
كَادَ الغَزَالُ يَكُوْنُهَالَوْلَا الشَّوَى وَنشوزُ قَرْنهِ
وَنَثَرَ هَذَا بَعْضُ البُلَغَاءِ فَقَالَ: كَادَ الغَزَالُ [يكونها لولا حاتم منها ونقص منه]، وَلَعَمْرِي إنَّ الإِحسَانَ فِي هَذَا مُتَكَافِئُ لَكِنْ [القضية تقع على ما يوجبه] الأَكْثَرُ؛ لأنَّ العَرَبَ سَبَقَتْ بِالمَنْظُوْم إلَى وَصفِ الطُّلُولِ وَالآثَارِ، وَالبُكَاءِ فِي مَعَالِمِ الدِّيَارِ، كَقَوْلِ أبِي صَخْرٍ الهُذَلِيِّ:
لِلَيْلَى بِذَاتِ الحَيْشِ دَارٌ عَرَفْتُهاوَأُخْرَى بِذَاتِ البَينِ آيَاتُهَا سَطْرُ
كَأنَّهُمَا مِل آنَ لَمْ يَتَغَيَّرَاوَقَدْ مَرَّ لِلدَّارَيْنِ مِنْ بَعْدِنَا عَصْرُ
إلَى مَا تَصَرَّفَتْ فِيْهِ مِنْ مَثَلٍ سَائِرٍ، وَتَشْبِيْهٍ رَائِعٍ، وَاسْتِعَارَةٍ رَائِقَةٍ، وَتَضْمِينٍ وَاقِعٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِمَّا قِيْلَ: الأَشْيَاءُ كُلُّهَا ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ: جَيِّد وَوَسَطٌ وَرَدِيْءٌ، فَالوَسَطُ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ عِنْدَ النَّاسِ أجْوَدُ مِنَ الرَّدِيْءِ إلَّا الشِّعْرَ؛ فَإنَّ وَسَطَهُ كَرَدِيْئِهِ وَمَتَى قِيْلَ: شِعْرٌ وَسَط، فَعِبَارَةٌ عَنِ الرَّدِيْءِ.
وَقِيْلَ:
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع